مدخل إلى إدارة التغيير

من طبيعة البشر مقاومة التغيير على جميع الأصعدة سواء على الصعيد الشخصي أو العملي و لذلك نفشل كبشر كثيرًا في التحول أو تغيير العادات و كمنظمات نجد نسبة فشل المشاريع هي الطاغية على أكثرها.


و على الصعيد الشخصي، كثير من المرضى الذي يطلب منهم الأطباء تخفيض وزنهم أو تغيير نمط حياتهم أو الإقلاع عن التدخين لعدم تأثرهم بأمراض السكري و الضغط و السمنة و مع ذلك كثير من المرضى لا يلتزم إطلاقًا بنصائح الطبيب بالرغم من معرفته تمام المعرفة بالعواقب التي قد تؤدي إلى وفاته.


التغيير الذي أتحدث عنه هنا يشمل أبسط التغييرات مثل تغيير هاتفك المحمول من Android إلى iPhone مثلًا أو إنقاص وزنك أو اتباع عادة جيدة مثل الاستيقاض الخامسة فجرًا و قد يكون التغيير كبيرًا و عظيمًا مثل رؤية المملكة 2030 أو إعادة هيكلة منظمة أو مشروع تحسين إجراءات عمل.

تَغَير قبل أن تضطر لذلك

جاك ويلش

و في هذا العصر هناك تغييرات كثيرة تطرأ على طبيعة الحياة و العمل و لابد للشخص من أن يكون واعيًا عن التغيير الحاصل و كيف يمكنه الانخراط و الاستفادة منه.


كما أن كثير من الأبحاث تقول أن طبيعة التغيير ستتصاعد خلال الأعوام القادمة، و من سيقود هذا التغيير و يستفيد منه هم من سيستطيعون تقبل التغيير و مساعدة موظفيهم على ذلك أيضًا. و حسب الأبحاث التي قامت بها Prosci وجدت أن الجهات التي تقوم بعمل ممنهج في إدارة التغيير يكون لديها فرصة لنجاح مشاريعها بستة أضعاف مقارنة بمثيلاتها في الجهات التي لا تقوم بذلك.


ما هي إدارة التغيير؟

هي منهجيات و أدوات تعمل على تهيئة و دعم الأشخاص و المنظمات على تنفيذ المبادرات بشكل ناجح و تخفيف أثر التغيير على الأفراد.

ما هي المشاريع التي تحتاج إلى إدارة تغيير؟


وجهة نظري الشخصية، جميع المشاريع تحتاج إلى إدارة تغيير سواء كانت مشاريع كبيرة أو صغيرة. و لكن طريقة و حجم التطبيق يختلف حسب نوع و حجم المشروع. و أمثلة على مشاريع تحتاج إلى إدارة التغيير بشكل منهجي منظم:

  • تغيير في استراتيجية المنظمة.

  • تغيير في إجراءات العمل.

  • نظام إلكتروني جديد.

  • إعادة هيكلة المنظمة.


ما هي منهجيات التغيير المتاحة؟

هناك الكثير من المنهجيات المتاحة في إدارة التغيير و لعل أبرزها و التي اطلعت عليها كانت:


منهجية كوتر: و تعرف بالـ (Kotter's 8-Step Change Model) و تتكون من 8 مراحل ملخصها الآتي:

  1. خلق الشعور بالإلحاح: بالأشخاص و المنظمات المرتاحة في وضعها الحالي صعب خلق التغيير فيها.

  2. بناء تحالفات إرشادية قوية: بحيث يكون لدينا مجموعة من القيادات تقود التغيير و يكونون المثال الذي يحتذى به من الآخرين و التأثير عليها.

  3. بناء رؤية للتغيير: خلال التغيير سيكون هناك الكثير من الأفكار و الاقتراحات التي تدعم التغيير و لكن قد لا تكون مساهمة بشكل فاعل. و لضبط العملية و إزالة أي لبس في اتجاه التغيير لابد من بناء رؤية واضحة توضح للجميع إلى أين نحن متجهون و ماذا نريد.

  4. التواصل في الرؤية: بناء رؤية ليس كافيًا بحد ذاته، و لكن لابد من التواصل بشكل فعّال فيها و أن تكون هي محور النقاش بشكل دائم و التأكد من وصولها و فهمها من قبل جميع المتأثرين بالتغيير. و لابد كذلك من إعادة التواصل فيها بشكل مستمر.

  5. إزالة العقبات: خلال هذه المرحلة من المفترض أن يكون لديك الكثير من الحلفاء و الموظفين المؤمنين بالتغيير الذي نقوم به. و لكن في الحياة الواقعية سيكون هناك بعض المعارضين للتغيير و كذلك بعض الإجراءات و السياسات التي تقوم على إعاقة تنفيذ التغيير المرغوب به. هنا يأتي دور القائد في تذليل العقبات أمام ذلك.

  6. خلق نجاحات سريعة: لا يوجد شيء يحفز على الإيمان بالتغيير و الاستمرار به مثل رؤية بعض النجاحات على أرض الواقع. فمن الضروري أن يرى الأشخاص و المتأثرين بالتغيير أن هذا العمل يؤتي ثماره و هنا قد يقوم بعض معارضي التغيير بتغيير موقفهم و الانضمام للمشروع بعد أن قمنا بجني بعض الثمار.

  7. تعزيز المكاسب: “لا أسوء من إعلان النجاح قبل تحقيقه بالفعل” حسب تعبير كوتر. و هنا قد تفشل مشاريع التغيير لأننا اعتقدنا بأننا نجحنا قبل النجاح الفعلي. التغيير يحتاج إلى وقت و عُمق لينجح و لابد لنا من التركيز على تحقيق المكاسب الكبيرة ضمن رحلتنا في التغيير.

  8. دمج التغيير في ثقافة المنظمة: ليبقى أي تغيير، لابد من أن يكون التغيير هو الوضع الجديد للمنظمة و نحرص على أن لا نعود إلى وضعنا السابق من مرور الوقت. و على المنظمة الحفاظ على جميع المكتسبات التي تحصلت عليها خلال فترة المشروع و التغيير.

و لعل أبرز مشاريع التغيير التي حدثة في العصر الحديث هو مشروع رؤية المملكة العربية السعودية 2030 و قد تم تطبيق منهجيات التغيير فيها بشكل مُبهر و التغريدة المنشورة أدناه من شركة أوشن أكس و فيديو قاموا بعمله عن شرح طريقة تطبيق المنهجية في رؤية 2030.


كما أن جون كوتر من أبرز الباحثين في المجال وله العديد من الكتب الرائعة في المجال منها ما هو مترجم و متوفر في مكتبة جرير.

المنهجية الأخرى المتاحة للتغيير هي منهجية Prosci للتغيير في المنظمات و هي منهجية عملية خاصة تقوم على ثلاثة مراحل يندرج تحت كل مرحلة العديد من الخطوات:

  1. الإعداد للتغيير: و هنا نحرص على توقع التغيير بشكل مسبق و المقاومة المتوقعة الناتجة عن التغيير و يكون ذلك بتقييم حجم التغيير و إعداد خطتنا له مع تكوين فريق إدارة التغيير و المهام المتوقعة من راعي التغيير.

  2. إدارة التغيير: هنا نقوم بوضع الخطط الخاصة بالتغيير و دمجها مع خطة المشروع بالاضافة إلى خطة مقاومة التغيير و كيف سنتعامل مع المقاومين. كما يتم بعد ذلك تطبيق المشروع و خطة التغيير.

  3. تعزيز التغيير: في هذه المرحلة الأخيرة نقوم بجمع التغذية الراجعة عن التغيير و المشروع و مدى الالتزام به و الحرص على أن يكون التغيير هو الوضع الجديد للمنظمة و لا نعود إلى وضعنا السابق.

و أدناه تغريدة جميلة عن إدارة التغيير و الدروس المستفادة من المسلسل الشهير Game of Throne’s.

أما المنهجية الثالثة التي سأطرحها هنا فهي منهجية ADKAR للتغيير على المستوى الشخصية و هي جزء من منهجية Prosci إذا صح اعتبارها كذلك. و منهجية ADKAR هي اختصار للكلمة و تتكون من خمسة مراحل و سنأخذ تخفيض الوزن كمثال:

  1. Awareness الوعي: قبل أن نطلب من أي شخص التغيير لابد من أن يكون واضحًا له طبيعة التغيير و كيف يؤثر عليه ذلك. فلابد أن يعرف أن المطلوب منه تخفيض الوزن و أهميته له على الصعيد الشخصي.

  2. Desire الرغبة: هنا يكون قرار شخصي للشخص يحدد فيه رغبته في القيام بالتغيير من عدمه و تعد هذه المرحلة أصعب المراحل حيث أنها رغبة شخصة لا نستطيع فرضها. و من المثال يقرر الشخص رغبته في تخفيض وزنه من عدمه. و الرغبة تختلف هنا عن التمني.

  3. Knowledge المعرفة: في هذه و بعد أن يقرر الشخص رغبته في القيام بالتغيير لابد أن يكون لديه المعرفة كيف سيقوم به. فلا أن يعرف كيف سيقوم بتخفيض وزنه سواء عن طريق الحمية أو الرياضة و غيرها من الوسائل.

  4. Ability القدرة: هنا نتأكد من قدرة الشخص من تطبيق المعرفة، فلا فائدة من طلب حمية معينة لشخص لديه حساسية من بعض المأكولات فيها. أو طلب منه القيام ببعض التمارين دون التأكد من قدرته على تطبيقها بشكل صحيح ليتجنب الإصابة مثلًا.

  5. Reinforcement إعادة التعزيز: أخيرًا في هذه المرحلة لابد من إعادة تعزيز التغيير ليكون هو الحالة الجديدة للشخص و ضمان الاستمرار. فمن السهل على الشخص اتباع حمية غذائية ليوم واحد أو الذهاب للنادي الرياضي لأسبوع! و لكن ما الذي سيحفزه لتكون الحمية و النادي جزء من حياته؟


تجدر الإشارة إلى أنه لا تستطيع الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التي تليها إلا عند تحقيق المرحلة الحالية.


أتمنى بأنني وُفقت في الطرح و أن تعم الاستفادة للموضوع.