في الخامس والعشرين من أبريل 2026، أتمت "رؤية السعودية 2030" عامها العاشر.
تكمن أهمية هذه الذكرى في أن الرؤية قد استمرت لفترة كافية تسمح لنا بتقييمها، ليس بناءً على الخطابات أو الطموحات فحسب، بل من خلال الواقع المُعاش. قبل عقد من الزمان، نظر الكثيرون إلى الرؤية بوصفها محاولة جريئة لإعادة تقديم المملكة العربية السعودية؛ أما اليوم، سواء كنت متحمساً أو متشككاً أو تقف في منطقة وسطى، فمن الصعب تجاهل استنتاج جوهري: لقد تغيرت المملكة العربية السعودية بطرق باتت جليّة في الشوارع، وأماكن العمل، والشاشات، والمطارات، والترفيه، وطريقة تقديم الخدمات، وفي ثقة جيل شاب ينتظر من بلاده مواصلة الحراك.
هذا ما يجعل الذكرى العاشرة جديرة بالتأمل. إن قصة الرؤية لا تكمن في تحقيق كل المستهدفات، أو إنجاز كل المشاريع في مواعيدها المحددة، أو حل كافة التحديات؛ بل تكمن في تحول المملكة من مرحلة "الطموح" إلى "نموذج التشغيل". لم يعد الجدل اليوم حول ما إذا كان التحول يحدث فعلاً، بل حول مدى ديمومة هذا التحول وشموليته واستدامته بحلول عام 2030.
إن الطريقة الأكثر مصداقية للاحتفاء بهذه اللحظة ليست بالمبالغة في التفاؤل ولا بالاستغراق في التشكيك، بل بالنظر بإنصاف إلى أين كانت المملكة في عام 2016، وما الذي تم إنجازه منذ ذلك الحين، وأين أصاب المتشككون، وما الذي يتعين تحقيقه في المرحلة الختامية نحو 2030.
نقطة الانطلاق في عام 2016

انبثقت رؤية 2030 في لحظة فارقة؛ حيث كانت المملكة لا تزال تحت تأثير الاعتماد المفرط على النفط، وجاءت صدمة أسعار النفط (2014-2016) لتكشف هشاشة هذا النموذج. وصف تقرير البنك الدولي لخريف 2016 انخفاض أسعار النفط بأنه اختبار جدي لمرونة الاقتصاد السعودي، مما جعل الضبط المالي أمراً لا مفر منه. ولم يكن التحدي اقتصادياً فحسب، بل كان اجتماعياً ومؤسسياً أيضاً.
عند انطلاق الرؤية، بلغت نسبة البطالة بين السعوديين 12.3%، وكانت مشاركة المرأة في القوة العاملة لا تتجاوز 22.8%، بينما بلغت نسبة تملك المواطنين للمساكن 47%. كانت المملكة تضم أربعة مواقع فقط مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. ورغم تطور الدولة الرقمية حينها، إلا أن تصنيف المملكة في مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية كان بعيداً عن الطموح. كانت السياحة قائمة بالطبع، ولكن ليس كقطاع اقتصادي عريض وقاعدة جماهيرية واسعة كما نراها اليوم.
وعلى القدر نفسه من الأهمية، كان المناخ الاجتماعي آنذاك مختلفاً؛ ففي عام 2016، كانت الكثير من الأمور التي نعتبرها اليوم "طبيعية" تبدو بعيدة المنال: مثل الروزنامة الترفيهية الضخمة، وحملات السياحة العالمية، ونمو السياحة الداخلية، وتوسع القطاع الخاص في خلق الوظائف، والدور المتنامي للمرأة في مختلف الصناعات. حتى الداعمون للإصلاح كانوا يتساءلون أحياناً عما إذا كانت الدولة قادرة على التنفيذ بهذا النطاق الواسع، بينما شكك النقاد في قدرة نظام تشكل طويلاً على عوائد النفط والبيروقراطية والتدرج في التحرك بالسرعة المطلوبة.
تتجلى أهمية هذا العقد في أن الكثير من تلك التساؤلات قد تمت الإجابة عليها عبر التنفيذ الفعلي.
عقد من الإنجاز: محاور التحول
يمكن تلخيص إنجازات العقد الأول في ستة مسارات كبرى. ليست هذه قائمة حصر، لكنها تكفي لإظهار أن التحول لم يبقَ في مستوى الشعار، بل دخل في الاقتصاد والعمل والسياحة وجودة الحياة والخدمات والإسكان.

أصبحت الأنشطة غير النفطية تمثل نحو 55% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في 2025، مع نمو الناتج غير النفطي الحقيقي واستمرار توسع قطاعات مثل التقنية المالية والمدفوعات الرقمية. النفط لا يزال مهماً، لكن الاقتصاد لم يعد أحادي المصدر كما كان.
انخفضت بطالة السعوديين إلى 7% في 2025، وارتفعت مشاركة المرأة السعودية في القوة العاملة إلى 36.2%. هذه ليست أرقاماً منفصلة؛ بل تعني تغيراً في خيارات الأسرة، وسوق العمل، ودور الشباب والمرأة في الاقتصاد.
تجاوزت المملكة 100 مليون سائح في 2023، ووصل العدد إلى نحو 123 مليوناً في 2025 بين سياحة داخلية ووافدة. مع انفاق سياحي أكثر من 304 مليار ريال، بما يعكس تحول السياحة والثقافة إلى رافعة اقتصادية وهوية وطنية معاً.
تحولت جودة الحياة من شعار عام إلى مسار سياسات وبرامج ومؤشرات؛ من الفعاليات والثقافة والرياضة إلى تحسين تجربة المدن والمساحات العامة. الأهم أن الحياة اليومية أصبحت أكثر ثراءً وتنوعاً مما كانت عليه قبل عقد.
واصلت المملكة تقدمها في الحكومة الرقمية، فحققت المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية لعام 2025، وتوسعت منصات مثل «توكلنا» لتضم أكثر من 35 مليون مستخدم وأكثر من 1300 خدمة رقمية.
ارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى 66.4% بنهاية 2025. ورغم استمرار ضغوط الأسعار في المدن الكبرى، يبقى هذا الملف من أوضح أمثلة تحويل التحدي المزمن إلى تقدم ملموس.
الإنجازات المحققة أكثر بكثير مما يمكنني أن أحصره في هذه المقالة، فهناك نجاحات كبيرة محققة في قطاع الصحة والتعليم والاستثمار والصناعة والقطاعات الأخرى المختلفة.

ما الذي أصاب فيه المتشككون؟
من منطلق المصداقية، يجب قول ذلك بصراحة: لم يكن المتشككون مخطئين في كل شيء.
لقد أصابوا في قولهم إن تنفيذ رؤية 2030 بهذا النطاق الضخم سيكون صعباً للغاية. وأصابوا في أن بناء قطاعات متعددة في وقت واحد سيخلق ضغوطاً على التمويل والتسلسل والقدرات الاستيعابية. وكانوا محقين في أن المشاريع الكبرى ستواجه تمحيصاً دقيقاً بشأن الجداول الزمنية والطلب والأولويات. وأصابوا في أن تغيير النموذج الاقتصادي لبلد ما أصعب بكثير من مجرد الإعلان عنه.
وتؤكد بعثة صندوق النقد الدولي لعام 2025 بعض تلك الأمور؛ حيث أشارت إلى أنه بينما ظل النمو غير النفطي قوياً في عام 2024، فإن انخفاض العوائد النفطية والواردات المرتبطة بالاستثمار ساهمت في حدوث عجز مالي وخارجي. كما نبهت إلى النمو القوي في الائتمان وضغوط التمويل المرتبطة به كمخاطر على الاستقرار المالي تتطلب مراقبة وثيقة. وهذا هو انضباط المرحلة القادمة: ليس في قدرة المملكة على "الإطلاق"، بل في قدرتها على "التسلسل والتمويل والمأسسة".
ومن الإنصاف أيضاً القول إن التحول كان متفاوتاً؛ فبعض التغييرات تبدو أكثر وضوحاً من غيرها. كما تحركت بعض القطاعات أسرع من الأخرى. وهناك نجاحات هي نتائج محققة بوضوح، بينما لا تزال نجاحات أخرى تُفهم كـ "رهانات كبرى". هذا أمر طبيعي في أي برنامج تحول وطني، لكن من الواجب ذكره بصراحة.
ومع ذلك، انتقل محور الحديث من "إمكانية التغيير" إلى "استدامة نتائجه". في 2016، كان السؤال: هل يمكن للنظام أن يتحرك؟ في 2026، السؤال هو: إلى أي مدى يمكن للنظام ترسيخ ما بدأه بالفعل؟
القصة الإنسانية
قد لا يكون الجزء الأهم في رؤية 2030 هو أي مؤشر اقتصادي كلي بعينه، بل التغيير في ما يعتبره السعوديون اليوم أمراً "اعتيادياً".
الشاب السعودي الذي يدخل سوق العمل في 2026 يرى بلداً مختلفاً عما رآه من دخل في 2016. قطاعات أكثر تفتح أبوابها، حضور نسائي فاعل في كل المهن، سياحة داخلية تمثل اقتصاد ترفيه حقيقي، خدمات حكومية رقمية متوقعة وليست استثناءً، وتملك مسكن يبدو منالاً لبعض العائلات أكثر مما كان عليه. ريادة الأعمال، العمل في القطاع الخاص، السياحة، الثقافة، التصميم، اللوجستيات، التقنية، والرياضة؛ لم تعد هذه طموحات هامشية.

هذا لا يعني أن كل مواطن يعيش التحول بالتساوي، أو أن سقف التوقعات أصبح أسهل إرضاءً؛ بل قد يكون العكس هو الصحيح. لقد رفعت رؤية 2030 سقف الطموحات الوطنية. وهذا في حد ذاته جزء من القصة؛ فقبل عقد من الزمان، كان الطموح السعودي يُناقش غالباً من منظور ما تخطط له الدولة، أما اليوم، فيُناقش أيضاً من منظور ما يتوقعه المواطن من الدولة، ومن المؤسسات، ومن المستقبل.
بعد عشر سنوات من إطلاقها، تستحق رؤية السعودية 2030 الاعتراف بما غيرته بالفعل.
المملكة اليوم أكثر تنوعاً، وأكثر قدرة رقمية، وأكثر انفتاحاً على الزوار، وأكثر دعماً للمشاركة الاقتصادية للمرأة، وأكثر جدية في ملف جودة الحياة مما كانت عليه في عام 2016. الكثير من التغييرات لم تعد مجرد مفاهيم مجردة، بل أصبحت متجذرة في السلوك والأسواق والتوقعات. وهذا وحده إنجاز وطني كبير.
لكن الذكرى السنوية لا تكون مفيدة إلا إذا شحذت الهمّة. فقد أثبت العقد الماضي أن المملكة العربية السعودية قادرة على التحرك، وستحدد السنوات الأربع القادمة مدى عمق جذور هذا الحراك.
لهذا السبب، يجب قراءة الذكرى العاشرة ليس كخط نهاية، بل كـ "علامة فارقة للمصداقية". لقد غيرت رؤية السعودية 2030 مسار البلاد بالفعل، ويظل السؤال المتبقي هو: هل ستكون المملكة، بحلول عام 2030، قد حولت هذا التحول إلى "واقع جديد مستقر"؟