تخطَّ إلى المحتوى
البيانات

البيانات الحكومية: أين سؤال «وماذا بعد؟»

لماذا لا تكفي كثرة البيانات ولوحات المؤشرات لصناعة قرارات أفضل؟

طلال السبيعي9 دقائق قراءة
محتوى المقالة5 أقسام
  1. المقدّمة
  2. نجحنا في عرض البيانات، ولكن هل نجحنا في فهمها؟
  3. الفرصة الأولى: الاستفادة من البيانات داخل الجهة الحكومية
  4. الفرصة الثانية: بيانات الجهات الحكومية أكثر قيمة بترابطها
  5. المملكة قطعت شوطًا مهمًا في بناء الأسس
  6. من وفرة البيانات إلى صناعة القيمة
  7. ختام المقالة

تخيل أنك تحضر اجتماعًا لمراجعة أداء إحدى الجهات الحكومية.

يبدأ الاجتماع باستعراض لوحة مؤشرات مليئة بالأرقام والرسوم البيانية. يعرض الفريق ارتفاع الطلب على إحدى الخدمات، وزيادة متوسط وقت إنجازها، وانخفاض رضا المستفيدين عنها. البيانات صحيحة، والمؤشرات محسوبة بدقة، والعرض احترافي.

بعد انتهاء العرض، يطرح أحد الحاضرين سؤالًا بسيطًا:

«وماذا بعد؟» (So What?)

لماذا انخفض رضا المستفيدين؟ وما سبب ارتفاع وقت الإنجاز؟ وهل توجد علاقة بين الأمرين؟ وما الذي يفترض أن نفعله؟

قد تتفاجأ بأن لوحة المؤشرات، رغم كل ما تحتويه، لا تقدم إجابات واضحة عن هذه الأسئلة.

هذا المشهد يعكس تحديًا تواجهه كثير من المنظمات، ومنها الجهات الحكومية. فقد استثمرنا خلال السنوات الماضية في الأنظمة الرقمية ومستودعات البيانات ومنصات ذكاء الأعمال ولوحات المؤشرات، وأصبحت لدينا قدرات متقدمة في جمع البيانات وتخزينها وعرضها. ولكن هل تطورت قدرتنا على الاستفادة منها بالقدر نفسه؟

أعتقد أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في نقص البيانات، بل في محدودية قدرتنا على تحويلها إلى معرفة تساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل، ورفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات.

نجحنا في عرض البيانات، ولكن هل نجحنا في فهمها؟

يكاد لا يخلو اجتماع تنفيذي اليوم من لوحة مؤشرات، لمتابعة الأداء الاستراتيجي أو التشغيلي أو المالي أو رضا المستفيدين. وهذا بحد ذاته تطور مهم: فالمعلومات التي كانت تتطلب أسابيع لجمعها أصبحت متاحة بشكل شبه فوري، وأصبح بإمكان المسؤول متابعة عشرات المؤشرات ومقارنتها بالمستهدفات خلال ثوانٍ.

ولكن هناك فرق كبير بين أن تعرف ما حدث، وأن تفهم لماذا حدث، وما الذي ينبغي عليك فعله حياله.

لنفترض أن جهة حكومية تقدم خدمة يستغرق إنجازها خمسة أيام في المتوسط، ثم ارتفع وقت الإنجاز إلى سبعة أيام. ستظهر لوحة المؤشرات هذا التغير، وربما تضع المؤشر باللون الأحمر. ولكن ماذا تعني هذه المعلومة؟

هل ارتفع عدد الطلبات بشكل مفاجئ؟ أم انخفض عدد الموظفين المسؤولين عن الخدمة؟ أم أن إحدى مراحل الموافقة أصبحت تستغرق وقتًا أطول؟ وربما تكون هناك متطلبات تنظيمية جديدة أضافت إجراءات.

كل احتمال من هذه الاحتمالات يتطلب معالجة مختلفة. فزيادة عدد الموظفين قد تكون حلًا مناسبًا في الحالة الأولى، لكنها لن تعالج إجراءً غير ضروري أو موافقة تؤخر المعاملات.

يمكننا النظر إلى استخدام البيانات من خلال خمسة أسئلة متتابعة:

1

ماذا حدث؟

لفهم مستوى الأداء والنتائج.

2

لماذا حدث؟

للتعرف على الأسباب والعوامل المؤثرة.

3

وماذا يعني ذلك؟ (So What?)

لفهم أهمية النتائج وآثارها.

4

ماذا ينبغي أن نفعل؟

لتحديد القرارات والإجراءات المناسبة.

5

هل نجحت المعالجة؟

لقياس أثر القرارات والتحسين المستمر.

أرى أن السؤال الثالث هو أكثر ما نفتقده عند التعامل مع البيانات. فليس كل ارتفاع في مؤشر إنجازًا، وليس كل انخفاض يستدعي التدخل. قد يكون التغير البسيط في مؤشر دلالة على مشكلة كبيرة بدأت في الظهور، بينما يعكس تغير أكبر في مؤشر آخر نمطًا موسميًا طبيعيًا. دون فهم السياق والأسباب والآثار، ستبقى الأرقام مجرد معلومات.

ولا يعني ذلك أن لوحات المؤشرات غير مفيدة؛ فهي وسيلة أساسية لمتابعة الأداء وتعزيز المساءلة.

الفرصة الأولى: الاستفادة من البيانات داخل الجهة الحكومية

تنتج الجهات الحكومية كميات كبيرة من البيانات خلال أعمالها اليومية: طلبات الخدمات، والمعاملات المالية، وبيانات الموظفين، والشكاوى، والمشتريات، والعقود، والمشاريع. وفي الغالب، تُجمع هذه البيانات لغرض محدد: تقديم خدمة، أو تنفيذ إجراء، أو الالتزام بمتطلب تنظيمي، أو إعداد تقرير دوري. لكن قيمتها المحتملة قد تكون أكبر بكثير من الغرض الذي جُمعت من أجله.

لنأخذ جهة حكومية تستقبل آلاف الطلبات شهريًا. تحتفظ أنظمتها بتاريخ تقديم كل طلب، والمدة التي قضاها في كل مرحلة، وعدد مرات طلب معلومات إضافية، وتاريخ الموافقة أو الرفض. وقد تستخدم الجهة هذه البيانات لإعداد تقرير شهري يوضح عدد الطلبات ومتوسط وقت إنجازها.

لكن ماذا لو نظرنا إلى البيانات بطريقة مختلفة؟

قد نكتشف أن الطلبات التي تمر بإجراء معين تستغرق ضعف المدة المعتادة. أو أن نسبة كبيرة من الطلبات المعادة للمستفيدين تعود إلى عدم وضوح أحد المتطلبات. أو أن الطلب على الخدمة يرتفع في أشهر محددة من السنة. وهذه النتائج قد تقود إلى إعادة تصميم الإجراءات، أو إلغاء خطوات غير ضرورية، أو توضيح المتطلبات للمستفيدين، أو توزيع الموظفين بناءً على حجم الطلب المتوقع.

لاحظ أن البيانات لم تتغير. ما تغير هو السؤال الذي طرحناه عليها، والطريقة التي استخدمنا بها الإجابة.

وينطبق ذلك على قرارات تخصيص الموارد والإنفاق. فمن خلال الربط بين البيانات المالية والتشغيلية ومؤشرات الأداء، قد تكتشف الجهة أن زيادة الإنفاق على نشاط ما لا تؤدي بالضرورة إلى تحسن مماثل في النتائج، بينما يحقق نشاط آخر أثرًا أكبر بموارد أقل. لا تعني هذه المعرفة أن البيانات وحدها ستحدد القرار الصحيح، فالقرارات الحكومية تتأثر أيضًا بالأولويات الاستراتيجية والمتطلبات النظامية والعدالة في تقديم الخدمات. لكنها تجعل البدائل أوضح، وتساعد المسؤول على فهم آثار الخيارات المتاحة.

ومع أهمية هذه الفرصة، أعتقد أن هناك فرصة أكبر عندما نتجاوز حدود الجهة الواحدة، وننظر إلى الحكومة باعتبارها منظومة مترابطة.

الفرصة الثانية: بيانات الجهات الحكومية أكثر قيمة بترابطها

كثير من التحديات التي تواجه الحكومات لا تقع ضمن اختصاص جهة واحدة. فالتوظيف يرتبط بالتعليم والنمو الاقتصادي والاستثمار. والصحة العامة ترتبط بالخدمات الصحية والبيئة والنقل والتخطيط الحضري. والإسكان يرتبط بالتمويل والبنية التحتية والتطوير العمراني. ورغم هذا الترابط، فإن البيانات التي تساعدنا على فهم هذه التحديات موزعة بين جهات وأنظمة مختلفة: كل جهة تمتلك جزءًا من الصورة، والصورة الكاملة لا تظهر عند النظر إلى الأجزاء منفصلة.

لنأخذ العلاقة بين التعليم وسوق العمل. تمتلك الجهات التعليمية بيانات عن الطلاب والخريجين وتخصصاتهم. وتمتلك وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والجهات المعنية بسوق العمل معلومات عن التوظيف والمهن واحتياجات أصحاب العمل. بينما تمتلك الجهات الاقتصادية بيانات عن القطاعات الواعدة والتوجهات المستقبلية.

ماذا لو ربطنا هذه المعلومات ببعضها؟

بدلًا من الاكتفاء بمعرفة عدد الخريجين سنويًا، يمكننا دراسة العلاقة بين التخصصات الجامعية وفرص التوظيف: التخصصات التي يواجه خريجوها صعوبة في دخول سوق العمل، والتخصصات التي يرتفع عليها الطلب، والمهارات التي تحتاجها القطاعات الناشئة. وعندها قد نتمكن من الإجابة عن أسئلة استراتيجية: هل تتوافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل؟ وهل نحتاج إلى زيادة المقاعد الدراسية في تخصصات معينة؟ وأي البرامج التدريبية يمكن أن تعالج فجوات المهارات؟

وفي المملكة، توجد بالفعل مبادرات تمثل أساسًا لهذا النوع من الاستفادة. فالمرصد الوطني للعمل يصدر تحليلات عن توظيف الخريجين حسب التخصص، تشمل معدلات التوظيف، ومتوسط الأجور، وفترات الانتظار للحصول على الوظيفة الأولى. كما طورت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تصنيف المهارات السعودي، الذي يشمل 13,939 مهارة و2,047 مهنة، ويوفر لغة مشتركة لفهم العلاقة بين المهن والمهارات واحتياجات سوق العمل.

ومثال آخر من القطاع الصحي: لنفترض أن إحدى المناطق شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في مراجعات المستشفيات بسبب أمراض الجهاز التنفسي. ستعرض الجهات الصحية هذا الارتفاع من خلال عدد الحالات وتوزيعها الجغرافي والفئات العمرية الأكثر تأثرًا. لكن ماذا لو ربطنا هذه المعلومات، بطريقة آمنة ومنظمة، ببيانات جودة الهواء والأحوال الجوية وبعض المعلومات البلدية؟ قد نكتشف أنماطًا تستدعي الدراسة، أو علاقات محتملة بين عوامل بيئية معينة وارتفاع الحالات في مناطق محددة.

وبالطبع، وجود علاقة إحصائية لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية. لكن هذه التحليلات قد تساعد الجهات المعنية على توجيه الدراسات، وتحديد التدخلات الوقائية، وتخصيص الموارد الصحية بصورة أفضل.

في المثال الأول، لم نعد نتحدث عن عدد الخريجين، بل عن قدرة منظومة التعليم على دعم الاقتصاد. وفي الثاني، لم نعد نتحدث عن عدد مراجعي المستشفيات، بل عن فهم العوامل المرتبطة بالمشكلات الصحية والوقاية منها.

ولا يعني ذلك جمع جميع البيانات الحكومية في قاعدة مركزية واحدة؛ فيمكن تحقيق التكامل من خلال آليات مشاركة البيانات، والمعايير الموحدة، والربط الآمن بين الأنظمة، مع الالتزام بمتطلبات الخصوصية والحوكمة. فالهدف ليس الربط لمجرد الربط، بل تمكين الجهات من اتخاذ قرارات أفضل حيال قضايا تتجاوز اختصاصاتها الفردية.

المملكة قطعت شوطًا مهمًا في بناء الأسس

من المهم أن ندرك ما تحقق في المملكة خلال السنوات الماضية. فقد ساهم تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وجهود المكتب الوطني لإدارة البيانات، في تطوير الأطر التنظيمية والمعايير والسياسات الخاصة بإدارة البيانات وحوكمتها: تصنيفها، وجودتها، ومشاركتها، وحمايتها، وتحديد المسؤوليات المتعلقة بها. وهذا تطور مهم، لأن الاستفادة من البيانات تتطلب أن تكون موثوقة، ومعروفة المصدر، وواضحة المسؤولية، وقابلة للمشاركة بصورة منظمة وآمنة.

ولكن علينا التمييز بين أمرين: إدارة البيانات بصورة جيدة، وتحقيق القيمة من هذه البيانات.

فقد تنجح جهة حكومية في تأسيس مكتب لإدارة البيانات، وتوثيق سياساتها، وتصنيف بياناتها، والالتزام بالمتطلبات التنظيمية، ثم تستمر في استخدام معظم تلك البيانات لإعداد التقارير الدورية فقط. وهنا لا تكمن المشكلة في الحوكمة، بل في القدرة المؤسسية على تحويل البيانات إلى معرفة وقرارات.

الأطر الوطنية للبيانات تتيح للجهات الحكومية البناء على أسس مشتركة بدلًا من البدء من الصفر. لكن الاستفادة الفعلية تتطلب استكمال هذه الجهود بتطوير القدرات التحليلية، وتحسين تكامل الأنظمة، وربط استخدام البيانات بعمليات اتخاذ القرار. فحوكمة البيانات تمكّننا من الاستفادة منها، لكنها لا تضمن وحدها تحقيق هذه الاستفادة.

من وفرة البيانات إلى صناعة القيمة

حققت الحكومات خلال العقود الماضية تقدمًا كبيرًا في التحول الرقمي، وأصبحت تمتلك قدرات لم تكن متاحة من قبل في جمع المعلومات، وقياس الأداء، ومتابعة الخدمات. لكنني أعتقد أن المرحلة القادمة تتطلب تحولًا في طريقة تفكيرنا تجاه البيانات.

فبدلًا من أن نسأل عن عدد قواعد البيانات التي نمتلكها، لنسأل عن القرارات التي ساعدتنا هذه البيانات على تحسينها. وبدلًا من عدد لوحات المؤشرات التي طورناها، لنتساءل عن المشكلات التي ساعدتنا على فهمها ومعالجتها. وبدلًا من النظر إلى بيانات كل جهة بشكل منفصل، لنتأمل الفرص التي تتحقق عندما نربط المعلومات على مستوى الحكومة.

في النهاية، لا تُقاس قيمة البيانات الحكومية بحجمها، ولا بعدد المؤشرات التي نستطيع عرضها، ولا بمدى تطور التقنيات التي نستخدمها لتحليلها. بل تُقاس بجودة القرارات التي تساعدنا على اتخاذها، والموارد التي تمكّننا من استغلالها بكفاءة، والمشكلات التي تتيح لنا معالجتها، والنتائج التي تنعكس على حياة المستفيدين والمجتمع.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نختم به هو السؤال نفسه الذي بدأنا به. في المرة القادمة التي نستعرض فيها لوحة مؤشرات مليئة بالأرقام والرسوم البيانية، دعونا نسأل أنفسنا:

«وماذا بعد؟»

فإذا لم نستطع تفسير ما تعنيه البيانات، ولماذا تهم، وما الذي ينبغي أن نفعله بصورة مختلفة بناءً عليها، فربما لا نحتاج إلى لوحة مؤشرات جديدة.

ربما نحتاج ببساطة إلى أن نبدأ بطرح أسئلة أفضل.

  • البيانات
  • الحكومة
  • اتخاذ القرار
  • صناعة القيمة
  • السعودية

تصلك كتاباتي الجديدة على بريدك.

نشرة عن الإدارة والاستراتيجية وشيء من التقنية. وإن أثارت مقالة سؤالًا، فاسألني.

طلال© 2026