ورشة عمل لبناء استراتيجية المنظمة: كل إدارة تضيف مبادراتها، ولا أحد يريد أن يُستبعد مشروعه. وفي نهاية الورشة تخرج وثيقة الاستراتيجية بأربعين مبادرة واثني عشر هدفًا، وكلها «أولوية». وبعد عام، لم يتحقق منها إلا القليل. فحين يكون كل شيء أولوية، فلا شيء أولوية.
التخطيط الاستراتيجي عنصر مهم في إدارة المنظمات الناجحة؛ فهو يساعدها على تحديد اتجاهها، وتوزيع مواردها، وتحقيق أهدافها. لكن أحد أهم جوانبه وأكثرها إهمالًا هو اتخاذ خيارات مدروسة حول ما لن تفعله المنظمة: الأنشطة والمبادرات والأسواق التي تقرر بوعي ألا تدخلها. فهذا ما يساعدها على ترتيب أولوياتها، وتركيز جهودها، وتجنب إهدار الوقت والموارد فيما لا يخدم أهدافها.
الخطأ الشائع: أن تريد كل شيء
من خلال اطلاعي على كثير من الاستراتيجيات، وجدت أن المنظمات ترتكب خطأً شائعًا عند بنائها: تريد أن تعمل في كل المجالات، وأن تتفوق في كل شيء تقوم به. فتتابع مبادرات كثيرة، أو تدخل أسواقًا ومنتجات عديدة في الوقت نفسه، فتخاطر بفقدان تركيزها واستنزاف مواردها. والنتيجة غالبًا أداء متوسط في كل المجالات، بدل التفوق في القليل منها.
فخ الخوف من فوات الفرص
من المصطلحات الشائعة في هذا السياق الخوف من فوات الفرص (FOMO: Fear of Missing Out). فكل سوق جديد يبدو فرصة لا تُفوَّت، وكل تقنية جديدة تبدو قطارًا يجب اللحاق به، وكل منافس يدخل مجالًا يجعلنا نتساءل: لماذا لسنا هناك؟
هذا الخوف يدفع المنظمة إلى دخول مجالات ومنتجات تفوق طاقتها، فيؤثر سلبًا على مواردها وعلى قدرتها على تنفيذ استراتيجيتها الأساسية. والسؤال الذي يجب أن يسبق أي فرصة جديدة ليس «هل هي فرصة جيدة؟»، بل «هل هي فرصتنا نحن؟».
درس من أبل
حين عاد ستيف جوبز إلى شركة أبل عام 1997، كانت الشركة على حافة الإفلاس، وتبيع عددًا كبيرًا من الأجهزة والإصدارات المتشابهة التي يصعب حتى على موظفيها التفريق بينها. فكان من أول قراراته أن يُلغي معظمها، ويركّز الشركة على أربعة منتجات فقط: جهاز مكتبي وآخر محمول، لكل من المستخدم العادي والمحترف.
هذا التركيز هو ما مهّد لعودة أبل، ثم لصعودها لتصبح من أكبر شركات العالم. وقد لخّص جوبز هذه الفلسفة بقوله إنه فخور بالأشياء التي لم تفعلها أبل بقدر فخره بما فعلته، وإن الابتكار هو أن تقول «لا» لألف شيء.
ماذا تكسب حين تعرف ما لن تفعله؟
المال والوقت والكفاءات محدودة في أي منظمة. وكل مبادرة ترفضها تعني موارد إضافية لما اخترته فعلًا.
تتجنب المنافسة في أسواق أو صناعات لا تتوافق مع نقاط قوتك، وتركّز على ما تجيده أكثر من غيرك.
حين يعرف الموظفون ما لن تفعله المنظمة، يسهل عليهم اتخاذ القرارات اليومية ورفض ما لا يخدم الاتجاه، دون أن يعودوا إليك في كل مرة.
أولويات أقل تعني اجتماعات أقل، وتنسيقًا أقل، وإنجازًا أسرع.
كيف تكتب قائمة «لن نفعل»؟
خصّص في وثيقة الاستراتيجية قسمًا واضحًا بعنوان «ما لن نفعله»، تمامًا كما تكتب ما ستفعله.
ثلاث إلى خمس أولويات كافية لأي منظمة في دورة استراتيجية واحدة. وما زاد على ذلك، فليس أولوية.
قبل الموافقة على أي مبادرة، اسأل: أي هدف من أهدافنا تخدم؟ وإن لم تجد إجابة واضحة، فهي في القائمة الخطأ.
إذا أضفت مبادرة جديدة، فاسأل: ما الذي سنتوقف عنه لنفسح لها المجال؟
في الختام
اتخاذ خيارات مدروسة حول الأسواق والمبادرات التي لن تتبعها المنظمة جزء أساسي من التخطيط الاستراتيجي الناجح. فبوضوح ما لن تفعله، تستطيع المنظمة أن تحدد أولوياتها، وتركز جهودها، وترفع فرص نجاحها في تحقيق أهدافها.
جوهر الاستراتيجية هو أن تختار ما لن تفعله.
سؤال للتأمل: ما الشيء الذي يجب أن تتوقف عنه منظمتك، أو فريقك، هذا العام؟