تخيل اجتماعًا في إحدى الجهات الحكومية.
يبدأ الاجتماع بعرض متحمس لمساعد ذكي يجيب عن استفسارات المستفيدين، ونموذج يتنبأ بحجم الطلب على الخدمات في الأشهر القادمة. الفكرة واضحة، والتقنية متاحة، والإدارة العليا متحمسة لإطلاق المشروع خلال أشهر قليلة.
ثم يبدأ الفريق العمل.
يكتشف أولًا أن بيانات الطلبات موزعة بين ثلاثة أنظمة لا يتواصل أي منها مع الآخر. ويكتشف أن إدارتين تحسبان «وقت الإنجاز» بطريقتين مختلفتين؛ إحداهما تبدأ من تاريخ تقديم الطلب، والأخرى من تاريخ اكتمال مستنداته. ثم يتبين أن سجلات السنوات الأولى ناقصة، وأن أحدًا لا يعرف على وجه الدقة من المسؤول عن تصحيحها.
لم تكن المشكلة في التقنية، بل في البيانات التي ستعتمد عليها.
هذا المشهد يتكرر في منظمات كثيرة. فقد استثمرنا خلال السنوات الماضية في الأنظمة الرقمية ومنصات البيانات وأطر حوكمتها، لكن امتلاك البيانات لا يعني بالضرورة القدرة على الاستفادة منها، والحوكمة تمكّننا من هذه الاستفادة لكنها لا تضمنها وحدها. ومع التسابق اليوم إلى تبني الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الفرق أكثر أهمية من أي وقت مضى.
حماس مبرر، وسؤال يجب أن يسبقه
هناك اليوم حماس كبير لدى القيادات التنفيذية لتبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهو حماس مبرر، بالنظر إلى إمكانات هذه التقنيات في رفع الإنتاجية، وأتمتة الأعمال، وتحليل المعلومات، والتنبؤ، وتحسين الخدمات.
لكنني أعتقد أن هناك سؤالًا ينبغي أن يسبق كثيرًا من هذه المبادرات: هل بياناتنا جاهزة للاستفادة من هذه التقنيات؟
إذا كانت المعلومات غير دقيقة أو غير مكتملة، فستتأثر موثوقية النتائج، خصوصًا في التطبيقات التي تعتمد على التنبؤ أو دعم القرارات. نموذج يتنبأ بالطلب استنادًا إلى سجلات ناقصة سيعطينا توقعات واثقة لكنها خاطئة، وقد يكون ذلك أسوأ من عدم وجود توقعات أصلًا.
لا نبالغ في المتطلبات أيضًا
من المهم في الوقت نفسه ألا نبالغ في المتطلبات، وألا تتحول جاهزية البيانات إلى سبب لتأجيل كل شيء.
فليس كل تطبيق يحتاج إلى ملايين السجلات أو إلى تدريب نموذج خاص بالمنظمة. هناك اليوم نماذج مدربة مسبقًا يمكن استخدامها في تلخيص المستندات، وتحليل النصوص، والبحث في المعرفة المؤسسية، ومساعدة الموظفين في صياغة المراسلات. وهذه تطبيقات يمكن أن تحقق قيمة سريعة دون أن تنتظر الجهة اكتمال مشروع البيانات بأكمله.
أما التطبيقات التي تعتمد على البيانات التشغيلية للجهة، أو تتخذ إجراءات عبر أنظمتها، أو تدعم قرارات لها آثار مهمة على المستفيدين، فإن جاهزية البيانات والحوكمة والتكامل تصبح فيها أكثر أهمية.
بعبارة أخرى، السؤال ليس «هل نحن جاهزون للذكاء الاصطناعي؟» بشكل عام، بل «هل نحن جاهزون لهذا التطبيق تحديدًا؟».
خمسة مرتكزات قبل التوسع
أرى خمسة مرتكزات ينبغي للجهات الحكومية التركيز عليها قبل التوسع في هذه التطبيقات:
معرفة البيانات التي نمتلكها
قد يبدو هذا بديهيًا، لكنه ليس كذلك دائمًا. ففي المنظمات الكبيرة، تتوزع البيانات بين الإدارات والأنظمة والملفات، وقد لا تتوافر صورة واضحة عن جميع الأصول المعلوماتية. قد تكتشف إدارة أنها كانت تبني من الصفر قاعدة بيانات تمتلكها إدارة أخرى منذ سنوات. البداية هي معرفة البيانات المتاحة، ومصادرها، والمسؤول عنها، والأهم: ما القيمة التي يمكن أن تحققها؟ فلا يمكننا الاستفادة من أصل لا ندرك وجوده.
تحسين جودة البيانات
قد تكون البيانات ناقصة، أو مكررة، أو غير دقيقة، أو تستخدم تعريفات مختلفة للمعلومة نفسها، أو كانت دقيقة وقت جمعها ثم أصبحت قديمة. ويكفي مثال «وقت الإنجاز» الذي تحسبه إدارتان بطريقتين مختلفتين لنفهم كيف يمكن أن يقارن نموذج تحليلي أرقامًا لا تقيس الشيء نفسه. لا يكفي أن نمتلك كميات كبيرة من البيانات؛ يجب أن تكون مناسبة للغرض. ومجموعة بيانات محدودة لكنها دقيقة ومرتبطة بالمشكلة أكثر فائدة من ملايين السجلات التي لا تساعدنا على فهمها.
إتاحة البيانات وتكاملها
قد تمتلك الجهة جميع المعلومات اللازمة لفهم مشكلة معينة، لكنها موزعة بين أنظمة لا تتواصل مع بعضها: التكاليف في نظام مالي، وإنتاجية الموظفين في نظام آخر، ورضا المستفيدين في منصة مستقلة. الربط بينها يتيح فهمًا أعمق للعلاقة بين الموارد والنتائج. وهذا لا يعني إتاحة كل شيء للجميع، بل توفير الوصول المناسب للمعلومات المناسبة وفق الصلاحيات والضوابط المعتمدة.
تطوير القدرات التحليلية
وجود البيانات والتقنيات لا يغني عن أشخاص قادرين على طرح الأسئلة المناسبة، وتحليل النتائج، وفهم سياق المنظمة. فقد يخبرنا نموذج تنبؤي باحتمال ارتفاع الطلب على خدمة ما الشهر المقبل، لكن الاستفادة من ذلك تتطلب من يفهم أثره التشغيلي: كم موظفًا نحتاج؟ وأي الفروع ستتأثر؟ وهل يمكن تحويل جزء من الطلب إلى القنوات الرقمية؟ ليس المطلوب أن يصبح كل مسؤول عالم بيانات، بل أن تمتلك المنظمة القدرات التي تحوّل المعلومات إلى رؤى قابلة للاستخدام.
ربط البيانات باتخاذ القرار
وهذا في رأيي المرتكز الأهم. فقد تستثمر المنظمة في منصات البيانات والنماذج التحليلية، ثم تستمر في اتخاذ قراراتها بالطريقة السابقة نفسها، فتكون قد حسّنت قدرتها على إنتاج المعلومات دون أن تحسن نتائج أعمالها. القيمة الحقيقية تظهر عندما تصبح البيانات جزءًا من التخطيط وتحديد الأولويات وتخصيص الموارد ومراجعة الأداء، وعندما تُستخدم نتائج التحليل لاتخاذ إجراءات يمكن قياس أثرها لاحقًا.
هذه المرتكزات ليست متطلبات للذكاء الاصطناعي فحسب، بل هي أسس للاستفادة من البيانات حتى دون استخدام تقنياته. والجهة التي تبني هذه الأسس ستستفيد منها مرتين: مرة في قراراتها اليوم، ومرة حين تقرر التوسع في الذكاء الاصطناعي غدًا.
التجربة شيء، والتوسع شيء آخر
وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: إذا كانت الجهة لا تستطيع اليوم استخراج رؤى واضحة من بياناتها الحالية، فهل سيحل الذكاء الاصطناعي هذه المشكلة بمجرد تطبيقه؟
قد تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات واكتشاف العلاقات وتحسين بعض جوانب جودتها، لكنها لن تعالج تلقائيًا ضعف الحوكمة، أو غموض المسؤوليات، أو غياب الأهداف الواضحة.
ولذلك أرى من المفيد التمييز بين تجربة تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتوسع فيها على مستوى المنظمة. فالتجربة ممكنة خلال فترة قصيرة وبتقنيات جاهزة، وهي مفيدة لأنها تكشف بسرعة أين تكمن فجوات البيانات الحقيقية. أما الاعتماد على هذه التطبيقات في الأعمال والقرارات المهمة، فيتطلب جاهزية أكبر في البيانات والتكامل والحوكمة والقدرات المؤسسية.
بل إن التجربة الجيدة قد تكون أفضل طريقة لتحديد أولويات العمل على البيانات. فبدلًا من مشروع ضخم لتنظيف جميع بيانات الجهة، تبدأ بتطبيق محدد، وتكتشف ما يحتاجه فعلًا، ثم تعالج ذلك أولًا.
السؤال نفسه، بتقنية أحدث
لو عدنا إلى الاجتماع الذي بدأنا به، لوجدنا أن المساعد الذكي ونموذج التنبؤ ليسا فكرتين خاطئتين. لكن الطريق إليهما يمر بأسئلة أبسط منهما: ماذا تقول بياناتنا فعلًا؟ ولماذا؟ وماذا يعني ذلك؟ وما الذي سنفعله بناءً عليه؟
فالذكاء الاصطناعي لا يغير هذه الأسئلة، بل يرفع ثمن تجاهلها. لوحة مؤشرات مبنية على بيانات ضعيفة تعطينا صورة غير دقيقة، أما نموذج ذكي مبني على البيانات نفسها فقد يتخذ قرارات غير دقيقة، وبسرعة أكبر، وعلى نطاق أوسع.
وقبل أن نتسابق إلى تبني الذكاء الاصطناعي، لنتأكد من أننا نفهم البيانات التي نمتلكها، ونعرف كيف نستفيد منها.
فربما لا تكون أولويتنا تطبيقًا أكثر تقدمًا، بل بيانات نثق بها، وأسئلة نعرف لماذا نطرحها.