تخطَّ إلى المحتوى
الاستراتيجية

الاستراتيجية ليست أن تفعل كل شيء!

إذا كانت جميع أولوياتك استراتيجية، فما الذي يجعلها أولويات أصلاً؟

طلال السبيعي9 دقائق قراءة
محتوى المقالة7 أقسام
  1. المقدّمة
  2. الاستراتيجية هي صناعة القيمة
  3. ليس كل ما هو مهم استراتيجياً
  4. تقييم الوضع الراهن ليس استراتيجية
  5. أصعب جزء في الاستراتيجية هو ما نقرر عدم القيام به
  6. لماذا نخشى الاختيارات؟
  7. كيف تعرف أن لديك استراتيجية جيدة؟
  8. أخيراً.. ما الذي قررت ألا تفعله؟
  9. ختام المقالة

قبل أيام، عرضَ عليّ أحد الزملاء استراتيجية للتحول الرقمي، كان قد انتهى من إعدادها بعد عمل طويل. كان فخوراً بشموليتها، فقد تضمنت سبعة أهداف رئيسية وأحدى عشر هدفًا فرعيًا والتي تغطي تقريباً جميع جوانب التحول الرقمي، من البنية التحتية والأنظمة إلى البيانات والعمليات والقدرات البشرية.

للوهلة الأولى، تبدو استراتيجية متكاملة لا ينقصها شيء. ولكن بعد الاطلاع عليها، سألته سؤالاً بسيطاً: ما هي أولوياتكم الاستراتيجية؟

كانت المشكلة أن كل شيء تقريباً يمثل أولوية! والأغرب أن الاستراتيجية كانت عامة إلى درجة أنه يمكن تغيير اسم الجهة ووضع اسم مستشفى أو شركة تجارية أو جهة حكومية أخرى دون الحاجة إلى تعديل محتواها.

لم تكن المشكلة في جودة العمل المبذول، ولا في أهمية الأهداف التي تضمنتها، بل في غياب الاختيارات الواضحة. فالاستراتيجية حاولت أن تعالج كل شيء، دون أن تحدد ما الذي يستحق التركيز عليه أكثر من غيره.

خلال مسيرتي المهنية، اطلعت وشاركت في مراجعة وتطوير مئات الاستراتيجيات، ولاحظت تكرار هذا النمط في كثير منها. نبدأ بتقييم الوضع الراهن، ونحدد الفجوات والتحديات، ثم نحاول أن نصمم استراتيجية تعالج جميع ما اكتشفناه. والنتيجة مجموعة من الأهداف والمبادرات التي قد تكون جميعها مهمة، ولكنها لا تعكس بالضرورة توجهاً استراتيجياً واضحاً.

ما يغيب عن كثير من هذه الاستراتيجيات هو أن الاستراتيجية ليست قائمة بكل ما نريد القيام به، بل هي مجموعة من الاختيارات الواعية لما نريد التركيز عليه، وما نقبل بعدم التركيز عليه.

الاستراتيجية هي صناعة القيمة

يعلمنا علم الاقتصاد أن الموارد محدودة، بينما الاحتياجات والرغبات غير محدودة. ولذلك فإن جوهر المشكلة الاقتصادية يكمن في كيفية تخصيص الموارد المحدودة لتحقيق أكبر منفعة ممكنة.

وينطبق المفهوم ذاته على الاستراتيجية.

كل منظمة لديها موارد مالية وبشرية وتقنية محدودة، ولدى قياداتها وقت واهتمام محدودان كذلك. ولذلك لا يمكن للمنظمة أن تتعامل مع جميع الفرص والتحديات بنفس الدرجة من الأهمية.

قد تكون القيمة في معالجة تحدٍّ جوهري يعيق المنظمة عن تحقيق طموحاتها. وقد تكون في اغتنام فرصة جديدة تفتح لها آفاقاً لم تكن متاحة في السابق.

وليس بالضرورة أن تكون الأولوية الاستراتيجية هي معالجة أكبر مشكلة نواجهها اليوم. فقد تكون لدينا مشكلة كبيرة، ولكن معالجتها لن تحقق نفس القيمة التي يمكن أن نحققها من خلال اغتنام فرصة جديدة.

خذ على سبيل المثال منظمة تعاني من تقادم بعض أنظمتها التقنية، وضعف في تكامل بياناتها، وبطء في إجراءاتها الداخلية، ومحدودية في استخدام الذكاء الاصطناعي.

من السهل أن نحول كل تحدٍّ من هذه التحديات إلى هدف استراتيجي. ولكن السؤال الأهم: أي منها سيحقق القيمة الأكبر للمنظمة والمستفيدين من خدماتها؟

ربما يكون الاستثمار في تكامل البيانات هو الخيار الذي سيغير طريقة اتخاذ القرارات، ويحسن تجربة المستفيدين، ويفتح المجال لتطوير خدمات جديدة.

هذا لا يعني تجاهل بقية التحديات، ولكنه يعني أن المنظمة قررت أين تضع ثقلها الاستراتيجي، وأين تكتفي بالتحسين التدريجي أو المحافظة على مستوى أداء مقبول.

وهنا تظهر أهمية المفاضلات أو ما نسميه Trade-offs.

ليس كل ما هو مهم استراتيجياً

من الملاحظ في كثير من الاستراتيجيات وجود أهداف مثل تحسين العمليات الداخلية، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتطوير قدرات الموظفين، وزيادة الكفاءة التشغيلية.

لا شك أن جميعها أهداف مهمة. ولكن هل نحتاج فعلاً إلى استراتيجية للقيام بها؟

في الاستراتيجية التي ناقشتها مع زميلي، كان أحد الأهداف يتعلق بتحسين البنية التحتية التقنية. سألته: لماذا نحتاج إلى وضع هذا الهدف ضمن الاستراتيجية؟ أليس تحسين البنية التحتية والمحافظة على كفاءتها من المسؤوليات الأساسية للإدارة التقنية؟

هناك فرق مهم بين ثلاثة أمور كثيراً ما نخلط بينها:

1

الأعمال الاعتيادية (Business as Usual)

وهي الأنشطة والمسؤوليات التي يجب على المنظمة القيام بها لضمان استمرار أعمالها وتقديم خدماتها.

2

التحسين المستمر (Continuous Improvement)

ويهدف إلى تحسين كفاءة وفاعلية الأعمال القائمة، سواء من خلال تقليل التكاليف أو تسريع الإجراءات أو رفع جودة الخدمات.

3

الاستراتيجية (Strategy)

وهي الاختيارات التي تتخذها المنظمة لتحقيق طموح معين وصناعة قيمة مختلفة عما تحققه اليوم.

بطبيعة الحال، قد يتحول تحسين البنية التحتية إلى أولوية استراتيجية إذا كانت تمثل عائقاً رئيسياً أمام تحقيق توجه جديد للمنظمة. ولكن مجرد أهمية النشاط لا تعني بالضرورة أنه نشاط استراتيجي.

فالمنظمات الناجحة تحتاج إلى الأعمال الاعتيادية والتحسين المستمر والاستراتيجية معاً. لكن الخلط بينها يجعل الاستراتيجية تتحول إلى مظلة لجميع أعمال المنظمة، وتفقد بذلك دورها الأساسي في تحديد الأولويات وتوجيه القرارات.

تقييم الوضع الراهن ليس استراتيجية

تبدأ معظم مشاريع تطوير الاستراتيجيات بتقييم الوضع الراهن، وهو أمر ضروري لفهم قدرات المنظمة وتحدياتها والفرص المتاحة أمامها.

لكن ما يحدث أحياناً أن نتائج التقييم تتحول مباشرة إلى أهداف استراتيجية. فإذا حددنا عشرين فجوة، بدأنا بالبحث عن أهداف ومبادرات لمعالجة تلك الفجوات العشرين.

في الواقع، بعض هذه الفجوات قد يكون جوهرياً ويؤثر على مستقبل المنظمة، وبعضها الآخر قد يكون مشكلة تشغيلية بسيطة يمكن معالجتها خلال أيام.

والأهم أن التركيز على معالجة الفجوات وحدها قد يجعلنا ننشغل بتحسين وضعنا الحالي، بدلاً من التفكير في الفرص التي قد تغير مستقبل المنظمة.

تقييم الوضع الراهن يخبرنا أين نحن اليوم، لكنه لا يحدد بالضرورة أين نريد أن نكون غداً.

وهنا يأتي دور الرؤية الاستراتيجية الواضحة.

من المفترض أن نستطيع من خلال الاستراتيجية تصور الفرق بين وضع المنظمة قبل تنفيذها وبعد تحقيقها. ما الذي سيتغير؟ وما القدرات الجديدة التي سنمتلكها؟ وكيف ستختلف القيمة التي نقدمها للمستفيدين؟

أما الاكتفاء بأهداف مثل رفع الأداء بنسبة ٢٠٪ أو تحسين الكفاءة بنسبة ٣٠٪، فهي قد تكون مؤشرات أداء جيدة، ولكنها لا تصف وحدها التغيير الاستراتيجي الذي نسعى إليه.

أصعب جزء في الاستراتيجية هو ما نقرر عدم القيام به

أعتقد أن اختيار الأهداف والمبادرات هو الجزء الأسهل نسبياً في تطوير الاستراتيجية. فكل منظمة لديها عشرات الأفكار والمشاريع التي يمكن أن تحقق فوائد حقيقية.

لكن التحدي الأكبر هو اختيار ما لن نقوم به، أو ما سنؤجله، أو ما سنكتفي فيه بمستوى أداء مقبول.

وهذا ليس بالأمر السهل.

فعندما نعطي أولوية لتطوير خدمة معينة، فإننا نقرر ضمنياً أن خدمات أخرى لن تحصل على نفس القدر من الموارد والاهتمام. وعندما نستثمر في بناء قدرة جديدة، فإننا نقبل بتأجيل استثمارات أخرى قد تكون مفيدة أيضاً.

ولذلك فإن الاستراتيجية الجيدة لا تكتفي بتوضيح ما سنعمل عليه، بل توضح كذلك ما لن نعطيه الأولوية خلال المرحلة القادمة.

وهنا يجب التمييز بين عدم إعطاء الأولوية والإهمال. فهناك التزامات أساسية لا يمكن التنازل عنها، مثل المتطلبات التنظيمية وأمن المعلومات واستمرارية الخدمات. ولكن ليس مطلوباً أن نحقق التميز في كل نشاط حتى نحقق أهدافنا الاستراتيجية.

لماذا نخشى الاختيارات؟

أعتقد أن هناك سببين رئيسيين وراء ميل بعض المنظمات إلى تطوير استراتيجيات شاملة لكل شيء.

1

الاعتقاد بأن جودة الاستراتيجية ترتبط بشموليتها

فكلما زاد عدد الأهداف والمبادرات ومؤشرات الأداء، شعرنا أن الاستراتيجية أصبحت أكثر نضجاً واكتمالاً.

2

صعوبة اتخاذ القرارات وتحمل مسؤوليتها

عندما نضع جميع التحديات والاحتياجات ضمن الاستراتيجية، فلن نضطر إلى تبرير سبب استبعاد أي منها، وستجد كل إدارة وكل جهة معنية ما يمثل احتياجاتها.

وقد يكون الوصول إلى التوافق أسهل بهذه الطريقة، لكننا في المقابل نتجنب اتخاذ القرارات الصعبة.

فالاختيار يعني أننا نعتقد أن توجيه الموارد نحو مسار معين سيحقق قيمة أكبر من المسارات الأخرى. وهذا الاعتقاد يتطلب القدرة على تبريره، وتحمل مسؤولية نتائجه، حتى لو اتضح لاحقاً أن خياراً آخر كان أفضل.

وهنا يتضح أن تطوير الاستراتيجية ليس مجرد تمرين فني لإعداد الأهداف والمبادرات، بل هو في جوهره ممارسة قيادية تتطلب الحكم على البدائل واتخاذ القرارات.

يمكن للفرق الاستشارية أن تحلل الخيارات، ويمكن لإدارات الاستراتيجية أن تقدم التوصيات، ولكن مسؤولية الاختيار والمفاضلة تقع في النهاية على القيادة.

كيف تعرف أن لديك استراتيجية جيدة؟

أحد الاختبارات التي أعتقد أنها مفيدة هو أن تسأل نفسك: هل تساعدني الاستراتيجية فعلاً في اتخاذ القرارات؟

تخيل أن منظمتك اعتمدت استراتيجية جديدة، وبعد عدة أشهر عُرضت عليها مبادرة تحمل فوائد جيدة، ولكنها تتطلب استثمارات وموارد كبيرة.

هل ستساعدك الاستراتيجية في تحديد ما إذا كانت هذه المبادرة تستحق الاستثمار؟

إذا كان بإمكانك ربط أي مبادرة جديدة بأحد أهدافك الاستراتيجية، فمن المحتمل أن الاستراتيجية واسعة إلى درجة أنها لا تساعدك في ترتيب الأولويات.

فالاستراتيجية الجيدة يجب أن تكون مرجعاً لاتخاذ القرارات وتخصيص الموارد، لا مجرد وثيقة نعود إليها عند إعداد تقارير الأداء.

ويفترض أن نرى أثرها في المشاريع التي نوافق عليها، والفرص التي نقرر عدم ملاحقتها، والموارد التي نعيد توجيهها، وحتى الأعمال التي نقرر التوقف عنها.

وإلا فما الفائدة من وجود استراتيجية لا تغير شيئاً في طريقة عملنا أو قراراتنا؟

أخيراً.. ما الذي قررت ألا تفعله؟

أعود إلى نقاشي مع الزميل الذي عرض عليّ استراتيجية التحول الرقمي.

أعتقد أن أكثر ما لفت انتباهه خلال النقاش هو إدراكه أن الانتهاء من إعداد وثيقة الاستراتيجية لا يعني بالضرورة الانتهاء من التفكير الاستراتيجي.

فقد كان لديه تقييم شامل للوضع الراهن، ومجموعة من الأهداف والمبادرات، ولكن بقيت أمامه المهمة الأصعب: تحديد الأولويات واتخاذ المفاضلات.

وهذا ما أراه في كثير من الاستراتيجيات. نبذل جهداً كبيراً في فهم الواقع وصياغة الأهداف وتطوير المبادرات، ثم نتردد عند الوصول إلى القرارات التي تتطلب منا تفضيل خيار على آخر.

في المرة القادمة التي تراجع فيها استراتيجية منظمتك، حاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة:

1

ما الأشياء المحددة التي قررنا التركيز عليها لتحقيق أكبر قيمة ممكنة؟

2

ما الأشياء التي قررنا عدم إعطائها الأولوية، أو تأجيلها، أو الاكتفاء فيها بمستوى أداء مقبول؟

3

كيف ستنعكس هذه الاختيارات على قراراتنا وتوزيع مواردنا خلال السنوات القادمة؟

إذا لم تكن الإجابات واضحة، فقد يكون لديك خطة عمل شاملة، ولكن ليس بالضرورة استراتيجية واضحة.

تذكر أن الاستراتيجية ليست في كثرة ما نقرر القيام به، بل في وضوح ما نختار التركيز عليه، وشجاعتنا في التخلي عن بقية الخيارات.

فالاستراتيجية التي تحاول أن تفعل كل شيء، قد تنتهي دون أن تحقق شيئاً مميزاً.

  • الاستراتيجية
  • التفكير الاستراتيجي
  • الأولويات
  • القيادة
  • صناعة القيمة

تصلك كتاباتي الجديدة على بريدك.

نشرة عن الإدارة والاستراتيجية وشيء من التقنية. وإن أثارت مقالة سؤالًا، فاسألني.

طلال© 2026